الهيئة ورئيسها وأرواح الناس

Home / مقالاتي في الصحف المصريه / الهيئة ورئيسها وأرواح الناس
الهيئة ورئيسها وأرواح الناس

الهيئة ورئيسها وأرواح الناس

الأربعاء 23-03-2016

 

خليل فاضل
نشر في اليوم السابع يوم 29 – 10 – 2009

“مصر دخلت عصر التكنولوجيا يا ولاد، مصر جابت جرارات وقطارات حديثة بشاشات وأجهزة تحكم.. هيه يا رجالة، هيصة”.. تكنولوجية طورت من المكنة نفسها .. ممكن وحصل، طورت فى النظام.. احتمال وواضح، لكن لم تمس البنى آدم المصرى، الذى يبدو قزماً شديد القزمية فى مواجهة الآلة وهى تقف أمام جاموسة، فيهرع سائق القطار (قائده) بحثاً عن سكينة حتى لا يضيع لحمها هدراً، ثم يتبرأ من تلك الجاموسة المسكينة أهلها وأصحابها خوفاً من المسئولية الجنائية، وبعدئذِ يضيع دمها بين القبائل، يضيع مع مئات الموتى والمصابين.
رئيس هيئة السكة الحديد فى حواره “الفظيع” مع عمرو أديب ونائبى مجلس الشعب (أحدهما من الحزب الوطنى)، لم يتمكن من الرد على أى سؤال، ولم يستطع التفوه بأى تفسير، وبدا مرتبكاً مهتزاً واهناً محرجاً فاقداً لهيئته وهيبته.
إن القضاء المصرى برأ المتهمين فى قضية قطار العياط الأولى (فبراير 2002) ، عندما شب الحريق فى القطار وقتل حوالى 361 شخصا، احترق معظمهم بعد أن فشلوا فى الخروج من العربات المشتعلة. برأ القضاء المصرى هؤلاء لأن معظمهم كانوا من صغار الموظفين، مطالبا بتقديم المسئولين الحقيقيين عن تلك الكوارث إلى المحاكمة، وهو ما نعتقد أنه سيتم حاليا..
لكن إذا ما دققنا فى معظم تلك الحوادث، سنجدها أكثر فى الوجه القبلى، وأن الضحايا من الأغلبية الفقيرة ومحدودى الدخل، والواضح من التدقيق فى الأمور أن التطوير نال من المكن ومن جرارات الدرجة الأولى، وأن كل الثغرات التى طرحها البحث والتقصى حتى الآن تشير الى أن العنصر البشرى من الوزير إلى الخفير، ومن رئيس الوزراء إلى سائق القطار، مسئول عن كوارث أقدم وأكبر خطوط سكة حديد فى الشرق الأوسط، تلك التى تمتد لنحو خمسة آلاف شخص.
إن محاولات الإصلاح فى مصر الحديثة تعمل دون اتجاه علمى محدد وخطة عامة واضحة أو تفاصيل دقيقة، إنها محاولات عن طريق التجربة والخطأ حصادها حوادث وقتلى ومصابون ..ومثل كتاب “الساعاتى الأعمى” لريتشارد داوكينز، الذى حدد أن العالم يتحرك دونما خطة كبيرة مرسومة سلفاً، فهكذا مصر تتحرك عن طريق تغيرات تراكمية عشوائية، عن طريق أحداث وحوادث “كبيرة”، وتغيرات مأساوية تراكمية وعشوائية.
عملها الوزير منصور واستقال، “ريح نفسه” واعترف بمسئوليته، لكن المسألة أعمق وأبعد من حادث، والضحايا الذين لم نعزهم ولم نتلوا عليهم القرآن فى إذاعاتنا وتلفزيوناتنا الجعجاعة، لم نفعل ما هو واجب ترحماً على أرواحهم واكتفينا بآلاف الجنيهات تعويضات ولم نتأمل الحدث والحادث…
بعد حادثة قطارى قليوب، تنبأت بما سيحدث، وأشرت بإصبع الاتهام ومازلت إلى رئيس الوزراء أحمد نظيف وحكومته الرشيدة، فالسكة الحديد حتى حادثة قطارى قليوب كانت من القرون الوسطى، فأين كانت حكومات مصر المتعاقبة المتفاخرة برأس نفرتيتى ومؤخرة أسد قصر النيل من حالة السكك الحديد المنهارة، ولما أعطاه نظيف 5 مليارات من رخصة المحمول الثالث و3 ونصف من المعونة الدولية، قاموا بتطوير المكن على نفس طريقة “دهن العمارة من برّة ورشها بالماء وهىّ من جوه مليانة زبالة وشققها أبوابها مقفلة، على بلاوى متلتلة”.
رأس المال المصرى البشرى عماد المسألة ومصيبتها، الحادث لا يختلف ومرتبط بشدة بحوادث الطرق وضحاياها الذين هم أكثر من ضحايا الحروب، ونحن نفخر دائماً أن مصر بلد الأمن والاستقرار التى انتهى فيها عصر الحروب وبدأت عصور الغلاء والاستغلال والفساد والرشوة والواسطة والمحسوبية.
إن ثمة غشاوة تغشى أبصار المسئولين عندما يتعلق الأمر بالأمور التى يرون أنها تحدث عشوائياً (أو قضاء وقدر)، فلماذا يركزون على التفاصيل ولا يركزون على الأحداث الكبيرة الممكنة (البنى آدم المصرى) تعليمه (معظم سائقى القطارات حاملو إعدادية ودبلومات، بعضهم يتعاطى المنبهات، ثقافتهم معدومة أو محدودة، صحتهم يعلم بها الله، كرامتهم مهدورة).
الدليل الواضح الكبير على البنى آدم المصرى بمفرده ومن خلال تعامله مع الآلة قد تعرض لأقسى عمليات الهدر والإهانة والإهمال، ومن ثمّ صار مهملاً متراخياً كسولاً وعاجزاً عن الأداء والعطاء.. إن كل ما قيل وكل ما سيقال لن يحول مستقبلاً دون حدوث الكوارث، “إحنا عملنا زى جحا لما شافوه الناس بيدوّر على مفاتيحه الضايعة فى الطريق العام المضاء، ولما سألوه أين ضاعت المفاتيح؟ رد بسرعة وقال فى البيت، لكنى البيت ضلمة! أنا أبحث عنها هنا فى النور”.
ماذا يعنى رصد “المصرى اليوم” لرحلة قطار الموت (152) الذى قطع 83 كيلو مترا فى 6 ساعات وتوقف 26 مرة، هل يمكن لهذا البلد أن ينتج أو أن يتقدم؟!
إن الخلطة الناتجة عن عدم التوقع وشدة الأثر تجعل أمر حكومتنا الرشيدة لغزاً كبيراً محيراً..
واضح أنها حكومة لا تخطط، حكومة يحركها الحدث فتتحرك فى الاتجاه المعاكس، أو الاتجاه الناقص.. وردود فعلها كلها سواء تجاه الثانوية العامة، أو سادسة ابتدائى، أو أنفلونزا الطيور أو الخناير أو الحج أو البدء فى الدراسة انفعالية رغم كل ما يُقال عنها من أنها مدروسة، هى انطباعية يعتقد أنها علمية.
ممكن الباشا يقول “لأ احنا مأمنين السيمافورات وعاملين الصيانة ورافعين الأجور وراشين الميّه ومعلقين اللافتات ومستوردين الجرارات”!! ولهذا لن يحدث شىء!
وفجأة يحدث ويقع ويموت الناس وتنقلب الدنيا وتقوم ولا تقعد، ما يعرفه العارفون فى مصر الحديثة عن الإنسان المصرى أنه ليس له قيمة تذكر، ورغم التدريب والدورات وكل الحركات فما يعرفة الفنيون والسائقون عن القطارات والمكن حاجة وما يعرفونه عن التوقف فجأة، وعن روح الجاموسة وعن دفن الضحايا وعن اكتمال الورم فى الجسد المصرى حاجة تانية خالص.
إنها الوصفة السرية والخلطة السحرية وفول العربية، تلك الأمور المصرية التى تقف بالمرصاد لأجهزة الإنذار المبكر، هى نفسها تنطبق على الإدمان وأساليب النصب فيه، على وزرائنا النجباء فى مدرسة الكواراث (دويقة وعبارة وعمارات منهارة، حرائق ومليارات هاربة وأكياس دم فاسدة) … إنهم لم يتعلموا أى درس ولم يتعلموا أى قاعدة ولم يستوعبوا بدرجة كافية أى مصيبة … ولتحيا مصر وليحيا الحزب الوطنى … ولتحيا الوزارة والحكومة التى أنقذتها استقالة وزير تطوير المكن.. ولمئات الآلاف دهساً بين أضلع جرارات حديثة مستوردة وعال العال، وأمان يا مصر.