العجز النفسي

د.خليل فاضل في صحيفة المصري اليوم 30_10_2020

الشخص الذى يتعرض إلى مواقف ضاغطة، أو أحداث صادمة، قد يترهل نفسيًا، وقد يكتسب العجز الذى يظهر فى الاستسلام تمامًا، على الرغم من أن بإمكانه نفض الغبار، والنهوض مجددًا، والبدء من جديد بقلبٍ قوى ونَفَس جديد.

إنها ظاهرة معروفة فى علم النفس السلوكى، وتُسَّمَى «العجز المكتسب» Learned helplessness، فالذى يتعرض لمواقف صعبة ولا يمكنه التحكم فيها، أو أنه لا يحاول ولا يقاوم أن يقوم من عثرته، بمعنى أنه يظل مكانه مَحلّك سر، يظل فى سريره يندب حظه، لقد تعود على الاستسلام للموقف.إذا ما حدث هذا، وفَقدْت العزيمة والدافع والحافز، أو حتى لو ظهرت ظروف تسمح لك بنفض التراب، والقيام محاولًا المشى، ثم الركض، ثم الجرى، فربما لن تفعل ذلك.مثل هذا الشخص غير قادر على اتخاذ القرارات، وأكبر مثال كان لنا بعد هزيمة 67، لقد قُمنا وتدربنّا وأجرينا عدّة عمليات، أهمها حرب الاستنزاف، وقبلها تدمير إيلات، ثم قمنا بالعمل العظيم فى 73.

يزيد العجز المكتسب فرصة المُصاب به فى أن يصبح مُكتئبًا، ثم يبدأ فى رفض مُساعدة الآخرين، والمُختصين للتخلص منه.يقول سليجمان إن العجز المُكتسب يحدث عندما تصبح سلبيًا فى مواجهة الصدمات، وأن تتعلم بصعوبة أن موقفك ذلك يُصعِّب الأمور، وأن كل ذلك يزيد الضغط عليك.لقد قام بعدّة تجارب لإثبات هذه النظرية فى المعامل.مثال لذلك الاستمرار فى التدخين على الرغم من أنك تتمكن من ذلك لأسباب شتى، أو أنك لا تتحكم فى وزنك رغم المساعدة الطبية.غالبًا ما يبدأ العجز المكتسب فى الطفولة، فعندما لا يستجيب أولو الأمر لما يريده الطفل لا يصبر ويقع فى فخ الاستسلام، أو إذا عاقبوه لأى خطأ ارتكبه، وتكرر ذلك، فهم لم يتعلموا من ذلك، وقد يعيد ابنهم فعله، وقد لا يفعل شيئًا (لا صح ولا غلط).من أهم أسباب العجز النفسى فى الطفولة: الإساءة النفسية والبدنية لهم، والإهمال العاطفى، الذى يعلمهم الضعف والعجز، ومن ثم يتولد لديهم تقدير ذاتى سلبى، ودافعية أقل للنجاح، وعدم طلب للمساعدة، وكذلك انخفاض درجة التحصيل الدراسى، ثم الإحباط والعزوف عن المشاركة فى أى شىء.

لكن لماذا تصيب هذه المشكلة بعض الناس دون غيرهم؟ إن التجارب التى يمر بها الإنسان تحكم على مستقبله، فإذا كان هناك عنف منزلى، وحرمان مادى وإنسانى شديد فإن ذلك يمهد للعجز المكتسب، لكن هناك من يحوّل كل تلك الندوب إلى أسلحة يحارب بها الضغوط، فالمحارب الإيجابى الذكى ينجح، أما الضعيف المستسلم فيستمر فى حالته.لتبحث عمن يحفزك ويشجّعك، ولتدرك أسباب المشكلة من جذورها، ابتكر لنفسك حلولًا للتغلب على مشاعرك السلبية، ابحث ما يساعد على ذلك لتروح عن نفسك بمُفرحات النفوس البسيطة، الخروج إلى الهواء الطلق، أن تكافئ نفسك فى كل موقف تنجح فيه، وعلى المرأة التى تتعرض للأذى من أى أحد أن توقفه بأى شكل، عليها أن تطلب المساعدة وألا تستسلم أبدًا.

إن آثار العجز المكتسب شاسعة وممتدة ومؤلمة، وتؤثر على بيتك وشغلك وزواجك وتربيتك لأطفالك.لا تكن متشائمًا فالمستحيل سيبدو مُستحيلًا لأنك لم تعط الفرصة الكاملة للفوز.لا عيب إطلاقًا فى طلب المشورة أو العلاج من المُختصين، فهناك أكثر من طريقة للعلاج النفسى بدون أدوية، أما إذا تطورت الحالة جدًا فلا بأس من استشارة الطبيب النفسى لكى تتناول بعض العلاجات الدوائية تحت إشرافه لفترة معينة، كل ذلك سيكون كمن توقفت سيارته فجأة، فجاء من يدفعها لكى تبدأ إشارة البطارية والمحرك، ثم تتحرك.